مجموعة مؤلفين
178
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
طارئة تعترى صاحبها في فترات متقطعة ولا تدوم في العادة طوال حياته ، أما وحدة الوجود فنظرية فلسفية تتملك صاحبها ولا تفارقه ، أي أن تأثير الفناء في حياة الصوفي مؤقت منقطع ، أما تأثير وحدة الوجود فيدوم بدوام صاحبه ويؤثر في سلوكه اليومى بمقدار إيمانه بنظريته الفلسفية ، أما إذا تخطينا الحياة اليومية إلى المبادئ ووقفنا عند غاية الحياة الصوفية عند أصحاب وحدة الشهود وأصحاب وحدة الوجود جاز أن نقول بأن ابن عربى لم يزد من وجهة الفلسفة الخلقية على ما قاله قبله أصحاب وحدة الشهود شيئا ذا بال ، لأن سقوط الإلزام الخلقي وارتفاع التبعة الأخلاقية ونحو ذلك ، إنما تحقق في تصوف أسلاف ابن عربى ممن فنوا عن أنفسهم وتحققوا بوحدة الشهود . والآن نعود - في ختام هذا البحث - فنشير إلى أن فلسفته الأخلاقية تبدو متضمنة في تأويلاته لتعاليم الإسلام الخلقية ، وهذه التأويلات تسترعى النظر بكثرة ما فيها من تناقضات - وبما أدى إليها حرصه على التوفيق بين إله نظريته الفلسفية وإله الأديان - وربما بدت هذه التناقضات في بعض الموضوعات التي كانت موضع تعقيباتنا السابقة - ومع هذا قيل إن ابن عربى كان في الفقه ظاهريا من أتباع ابن حزم الذي يقف في تفسير القرآن عند ظاهر آياتة - فيما لاحظ جولد تسيهر Goldziher وارندونك G . Van Arendonk وفير T . H . Zeir - وكان يقوم بفرائض الإسلام ويتمسك بعقائده في ضوء نور باطني أفاضه اللّه عليه - فيما كان يعتقد - وقد أشرنا في ثنايا هذا البحث مرات إلى حرصه على أن يجعل سلوك أهل الطريق متمشيا مع كتاب اللّه وسنة رسوله ، ولكن يبدو أن نظريته في وحدة الوجود هي التي حملته على أن يشتط في تأويلاته للآيات القرآنية والأحاديث النبوية ، ويحمل ألفاظها فوق ما تطيق من معان حتى تبدو على اتساق مع نظريته ، وقد تأدت به هذه النظرية إلى القول بوحدة الأديان - المنزل منها وغير المنزل - وإبطال العبادة التي يقصرها أصحابها على مجلى واحد يسمونه إلها ، كما باعدت بينه وبين الإسلام الذي أكد أثنينية الخالق والمخلوق ، وصور اللّه خالقا